فايز عبد الله الماضي: الحرب الإيرانية الأمريكية – بضعة أيام أم خمسة أسابيع؟

فايز عبد الله الماضي: الحرب الإيرانية الأمريكية – بضعة أيام أم خمسة أسابيع؟

 

فايز عبد الله الماضي
تطرح الحرب الحالية بنمطها المختلف السؤال عن المدة التي قد تستمر فيها الضربات المتبادلة بين كافة أطرافها، فهذه الحرب ليست قائمة على القوات البرية المعنية عادة بالحسم الميداني في جبهات القتال، وهو ما يجعل القدرة على الاستمرار فيها تعتمد بشكل كبير على كميات الذخيرة الصاروخية والمسيرة والجوية والبحرية المتوافرة لدى كل طرف بكافة أنواعها وأشكالها دفاعية كانت أو هجومية.

وفي هذا السياق فقد نشرت وكالة بلومبيرغ في الثامن والعشرين من شباط لهذا العام (يوم اندلاع الحرب) تقريرا حول قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على الصمود أمام الضربات الإيرانية الانتقامية، إذ تعتمد كل منهما على عدد الصواريخ الاعتراضية التي تمتلكها. كما رجح المقال أن تكون المخزونات منخفضة بشكل خطير بعد القتال الشديد مع إيران العام الماضي خلال حرب الإثنا عشر يوما. وحسب التقرير، يتطلب الدفاع ضد الأسلحة الصاروخية والمسيرة عددًا أكبر من الصواريخ الاعتراضية المضادة، إذ تعتمد العقيدة العسكرية التقليدية عادة على إطلاق صاروخين أو ثلاثة على كل هدف قادم لزيادة فرص إصابته. ووفقًا لمصدر مطلع لبلومبيرغ، فإن مخزونات الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة واسرائيل قد تنفد في غضون أيام إذا استمرت الضربات الإيرانية على نفس الوتيرة.

 

بالإضافة إلى ذلك، ووفقا لـ “إيال بينكو” الذي عمل لمدة 23 عاما في البحرية الإسرائيلية ورئيسا لفرع الاستخبارات البحرية لخمسة أعوام؛ أن خطة طهران الصاروخية قد صممت استراتيجياً لاستنزاف قدرة مخازن الذخيرة الأمريكية والإسرائيلية بدلاً من مجرد إلحاق أضرار رمزية. وعليه فمن مصلحة طهران الحفاظ على معدلات إطلاق الصواريخ لأطول وقت ممكن.

 

إن قيام إيران بتوسيع رقعة الحرب منذ اللحظة الأولى لتشمل دول الخليج العربي يهدف لوضع عبء على المنظومة الدفاعية الجوية الأمريكية وقواعدها هناك، حيث تسعى إيران بهذه المعدلات المرتفعة من الإطلاق إلى تشتيت مراكز القيادة والسيطرة على أكثر من جبهة واستنزاف قدرتها على التعامل مع أهداف مختلفة ضمن وقت واحد، أما بالنسبة لدول الخليج العربي وحسب تقرير نشرته بلومبيرغ يوم أمس الثاني من آذار، فإن الإمارات العربية المتحدة وقطر تعملان بشكل عاجل على تحسين قدراتهما الدفاعية الجوية. كما ذكرت الوكالة حسب مصادر مطلعة أن الإمارات قد طلبت بالفعل المساعدة الأمريكية بما يتعلق بأنظمة الدفاع متوسطة المدى، بينما طلبت قطر المساعدة في التصدي لهجمات الطائرات المسيّرة. ووفقاً لتحليل أجرته الوكالة، فإن مخزون قطر من الذخائر الاعتراضية سيكفيها لأربعة أيام فقط بالمعدل الحالي للاستخدام.

 

من ناحية أخرى، تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية قد إنخفضت إلى النصف تقريباً خلال حرب الإثنا عشر يوما، حيث بات عدد منصات الإطلاق حالياً ( حتى شهر أيلول عام 2025م ) ما بين 150 و200 منصة، ويبلغ إجمالي مخزون الصواريخ الباليستية حوالي 1300 إلى 1500 صاروخ، مع التأكيد على أن إيران منذ ذلك الحين تبذل جهوداً حثيثة لإعادة بناء منشآت إنتاج الصواريخ الباليستية التي دمرتها إسرائيل “حسب إدعاءها”. وعليه فإن تدمير هذه المنصات خلال الحرب الحالية يعد عاملا حاسما في خفض وتيرة الإطلاق الإيرانية وذلك للتخفيف من العبء المترتب على المنظومات الدفاعية الأمريكية والإسرائيلية على حد سواء.

 

وبالعودة إلى السؤال الذي طرحته في بداية المقال، وبناء على ما سبق من تقارير، فما هي المدة التي قد تستمر فيها الحرب الحالية؟ وما هي مصلحة كل طرف من إطالة أمدها أو تقصيرها؟

 

تشير معظم التحليلات السياسية والعسكرية إلى أن إطالة أمد الحرب لأطول فترة ممكنة يصب في مصلحة طهران، في حين تسعى كل من واشطن وتل أبيب إلى حسم المعركة في أقرب وقت ممكن. وحسب رأيي الشخصي وبالاعتماد على التقارير والأخبار التي تصدر تباعا، فإن استمرار الهجمات الصاروخية والمسيرة الإيرانية على نفس الوتيرة لمدة عشرة أيام منذ لحظة نشوب الحرب كفيل بدفع الولايات المتحدة وخصوصا إسرائيل إلى تركيز منظوماتها الدفاعية لحماية المواقع الاستراتيجية والعسكرية والسياسية الحساسة وترك المناطق المدنية وغيرها من المنشئات الحكومية دون غطاء دفاعي يذكر. وذلك بهدف ترشيد استهلاك مضادات الصواريخ التي قد بدأت بالفعل تتناقص، ما يعني بالضرورة تكبد خسائر فادحة في حال استمرار الحرب لأكثر من ذلك.

 

وقد لا أبالغ بالقول أن فترة عشرة أيام هي فترة طويلة بالنسبة للقبة الحديدية الإسرائيلية، بل على العكس فقد لا تصمد كل هذا المدة. خصوصا بعد دخول حزب الله على خط المواجهة أمس، حيث سبق وأن أشار تقرير نشر في الثامن عشر من حزيران العام الماضي عن مصدر رسمي أمريكي أنه لم يكن من الممكن لنظام الدفاع الجوي الإسرائيلي الصمود لأكثر من 15 إلى 17 يوم بحد أقصى خلال الحرب السابقة. صحيح أن الولايات المتحدة واسرائيل قد استعدتا خلال الأشهر الماضية بالتزود بالمزيد من الذخيرة والمعدات اللازمة لهذه الحرب، لكن الواقع يقول أن الولايات المتحدة قد سبق وأن استنزفت مخزونها الاستراتيجي من الصواريخ في عدة جبهات وحروب سابقة بدءا من الحرب الروسية الأوكرانية وانتهاء بالسابع من أكتوبر وما تلاه.

 

بالنسبة لإيران، إن مجرد منع الولايات المتحدة واسرائيل من تحقيق أهدافهما من هذه الحرب يعد انتصارا، وقد سبق وأعلنت واشنطن على لسان أكثر من مسؤول أن أهداف المفاوضات سابقا ومن ثم الحرب الان هي منع امتلاك ايران لسلاح نووي أولا، وتفكيك البرنامج الصاروخي الإيراني ثانيا وقطع الإمداد عن حلفاء إيران في المنطقة ثالثا أو تغيير النظام الإيراني الحاكم مجملا.

 

وحسب رأيي فإنه لم يتحقق حتى الان أي من هذه الأهداف، فإيران قد سبق وأعلنت أنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي وقد وافقت على مناقشة هذا الملف ضمن المفاوضات الأخيرة، أما البرنامج الصاروخي فهو لم يدمر حتى الان بدليل وتيرة الإطلاق الحالية. وبالنسبة لدعم الحلفاء فلم تتغير علاقة النظام الإيران بأي من حلفائه بل على العكس فقد دخل حزب الله اللبناني مساء أمس إلى خط المواجهة.

 

وأما بالنسبة لتغيير النظام الإيراني (كاملا أو عقائديا) فرغم اعلان الولايات المتحدة اغتيال 49 من قيادات الصف الأول فلم تظهر إيران حتى الان أي مظاهر على تغير في توجهاتها أو عقيدتها بل على العكس فإن اخر التقارير تشير إلى أن القيادة الحالية في إيران بعد اغتيال خامنئي أكثر تشددا.

 

أما من ناحية إيران فإن هدفها الحالي يقوم على انهاء الحرب وفقا لشروطها هي، وكما أشرت فإن إطالة أمد المعركة قدر الإمكان يصب في صالحها خصوصا إن نجحت حسب تقديري بإطالتها لمدة أسبوعين إضافيين.

 

أما على المستوى السياسي الأمريكي فقد ظهر واضحا اليوم التخبط في التصريحات، حيث صرح ترامب صباح اليوم الإثنين بأنه يدرس إرسال قوات برية إلى إيران، كما أكد مصدر إسرائيلي صحة هذه التصريحات، في حين صرح مارك روبيو وزير الخارجية الأمريكي بأنه لا توجد نية لإرسال قوات برية.

كذلك فقد سبق وصرح الرئيس الأمريكي أنه يتوقع أن تطول الحرب لمدة 4 إلى 5 أسابيع، ثم أعاد التصريح بأنه سينهيها قبل ذلك بكثير. وأضاف أنه يعرف تماما الأشخاص “الثلاثة” المرشحين لتولي منصب المرشد الإيراني ثم صرح بعدها بأنه لا يعرف أي مسؤول إيراني لتولي المنصب. كل ذلك في ظل صدور تقارير تؤكد استقالة بعض القيادات العسكرية الأمريكية المعترضة على شن الحرب، بالإضافة إلى تزايد الخلافات بين أغلبية أعضاء الكونغريس الأمريكي والرئيس دونالد ترامب. إن كل هذا بالضرورة يشكل ضغطا على صانع القرار الأمريكي بضرورة حسم الحرب سريعا وفي أقرب وقت ممكن.

 

ختاما فالحرب مستمرة حتى الان ومن الصعب توقع ما يمكن أن تصل إليه الأمور، خصوصا مع إعلان الولايات المتحدة عزمها ارسال 15 طائرة تزود جوي بالوقود إلى الشرق الأوسط، ومن الواضح أن عامل الوقت حاسم جدا وأنها تسعى ربما لتكثيف طلعاتها الجوية لتدمير منصات الإطلاق في أقرب وقت. أدعو الله أن يخفف عن منطقتنا تبعات هذه الحرب، وأن يحفظ الأردن وأهله من كل شر ومكروه وأن يقي الله أمتنا لهيبها وما بعدها من نتائج على كل المنطقة.

 

 

كاتب أردني